|
الليل العاري
نونبر2004
1- ياسمين
من المؤكد
أنها لم تنه بعد ربيعها / خريفها السادس ، إنها تحاور الكؤوس
الفارغة كرها و خطأ في زمن الأخطاء هذا ، تسافر بين طاولات
الحانة الحقيرة ، توزع ابتسامتها الباذخة على جلسائها من
الرائعين و التافهين و الراغبين أيضا في اقتناصها من سكارى
آخر الليل ...لم تكن ياسمين غير طفلة / ضحية لأم تصر كل يوم
على حجز مقعد أعرج أمام " الكونطوار " ، و لهذا فقد انفرض
عليها أن تصاحب الأم كل مساء إلى هذه الحانة الرخيصة ، تماما
كما فرض عى جدتها أيضا أن تعمل منذ الصغر في ماخور " بوسبير
القديم " ، إنه التاريخ الداعر لعائلة تأسس وجودها الأول على
اقتصاد اللذة و الألم ...
الساعة تشير
إلى العاشرة ليلا و ياسمين لم تعانق كما فعل أقرانها حكايا
الرسوم المتحركة ،لم ينكتب لها النوم في أحضان دافئة بعيدا
عن صخب الليل العاري و ضجيج كائناته الكافكاوية ، إنها تقترب
اللحظة من شاب سرقت الكأس منه شبابه ، و استحال إلى شبح قاتم
يستعمر يوميا تلك الزاوية المظلمة أسفل الحانة ، تقترب منه
ياسمين ، تحاول أن تأخذ بعضا من الفواكه الجافة المتناثرة
فوق طاولته ، و التي يهزم بها مرارة الكأس ، لكن صاحبنا
يمنعها من ذلك ، تتركه ياسمين و تمضي مسرعة نحو طاولة أخرى
تجمعت حولها سعيدة قيدومة عاهرات الحانة و الحاج عمر الذي
يرتاد المكان بعد فراغه من صلاة العشاء ، فضلا عن خالد /
ربيعة الذي يشبه الرجال ...
يقبلها الحاج
عمر بشبقية مفضوحة و يسلمها قطعة نقدية ، في حين يخاطبها
خالد / ربيعة بنبرة غارقة في الأنوثة ، مخبرا إياها بأنه
يجيد الرقص الشرقي أحسن من والدتها التي علا صوتها أمام "
الكونطوار " ، إنها تختلف مع أحد الزبناء حول سعر الليلة "
ديالاش 100 درهم ، لن تشتري حتى دواء ياسمين ؟ "تلعن الأم
زمن اللذة و ترفض عرض الطالب الذي تسلم للتو المنحة الجامعية
، و أصر على اقتناص لحظة لذيذة يعيدا عن أعين الحرس الجامعي
و عنف الفصائل الطلابية ، لم يستطع المسكين أن يمنحها أكثر ،
و لهذا اكتفى بارتشاف جعة باردة قريبا منها ، فهذا المشروب
السحري بمقدوره أن يطفئ نيران الشهوة و يبعد عنه ألم
الانهيار الفظيع و الموت السريري الذي تغرق فيه الجامعة و
المجتمع عموما .
منتصف الليل
لم يحن بعد و مع ذلك تستمر ياسمين في اللعب أمام الطاولات ،
النادل القزم الذي تركه " النصراني " صاحب الحانة ليكون عينه
التي لا تنام ، ينهرها من حين لأخر ، يشتمها بأوقح العبارات
، تنظر إليه باستغراب ، لا تعرف لما يكن لها غير قليل من
الكره ، لا تتعب نفسها بالبحث عن حبة فهم في زمن عسر المعنى
، بل تواصل اللعب و التنقل عبر الطاولات إلى أن يستقر بها
المطاف قبالة المعطي الذي جرب " الحريك " أكثر من مرة ، فهو
مهووس بالضفة الأخرى و لهذا فقد جرب مختلف فنون الهجرة
السرية ، لكنه في كل مرة يكتشف أمره و يعود خائبا نحو قطران
البلاد ، إنه يعمل في دائرة الأشغال البلدية ، يطهر المدينة
صباحا من أزبالها ، ليطهر النادل القزم ليلا ما رقد في جيوبه
من دراهم .
المعطي يطلب
من ياسمين أن تقاسمه كأسه ، تستجيب لطلبه بكل براءة ،
تفاجئها مرارة الكأس ، تلفظ الماء الأشقر في وجهه ، يعيرها
بأوقح العبارات و يطردها من جلسته الخاصة ، الأم لا تنتبه
لما يحدث لياسمين إنها منشغلة بجولة ثانية من المفاوضات مع
الطالب الذي استطاع مكرها أن يرفع السعر إلى 150 درهما ، إنه
يعي جيدا أن هذا المبلغ الذي سيهدره في سبيل اللذة سيؤثر على
الموازنة الشهرية ، و سيجعله مضطرا لمصاحبة علب السردين من
جديد ، خصوصا و أن الوالد لم يعد يجزل له العطاء بعد هجوم
الجراد ، فالرسائل القادمة من حبيبته في الجنوب تؤكد بأن
القوم يأكلون الجراد الذي أتى على اليابس قبل الأخضر ،لكن
طالب الفلسفة من حقه أن " ينشط " برفقة هذه العاهرة المكتنزة
، إنها تتراءى له في أعماق الكأس ...
عند تمام
الساعة الواحدة بعد منتصف الليل تضاعف ثمن الجعة ، النادل
القزم يحاول إقناع الزبناء بأن الزيادة تكون من نصيب " أصحاب
الحال " الذين يغضون الطرف عن ساعة الإقفال القانونية ،
ياسمين تقترب من والدتها بعد أن أعياها التجوال و التسول ،
النوم يأتيها من حيث تدري و لا تدري ، تبدأ في البكاء ، تطلب
مغادرة المكان ، تنهرها أمها ، تعيرها بأوقح العبارات "
اسكتي يا ابنة الفاعلة "، توافق الأم على طلب طالب الفلسفة ،
ترتمي في أحضانه إيذانا بانطلاق موسم العري ، تجر ياسمين
بقوة مقتفية آثار الطالب الذي أسرع نحو الباب بحثا عن سيارة
أجرة تأخذهم جميعا نحو أتعس النقط السوداء التي تؤطر هامش
الرباط .
قريبا من
سيارة الأجرة كانت سيارة الأمن " الواشمة " في انتظار
الثلاثة ، الضابط يسأل الطالب عن " الكارني " الذي نسيه
أثناء صرف المنحة ، " طلع " بهذه العبارة حسم الضابط الموقف
، ياسمين تنظر باندهاش كبير لما يحدث ، الأم هي الأخرى
تستجيب لأمر الضابط " اطلعي أيتها الفاعلة "، ياسمين مازالت
متسمرة في مكانها تحت عمود فقد مصباحه ، سيارة الأمن غادرت
دون أن تأخذها مع الآخرين ، بقيت وحيدة وسط شوارع المدينة
النائمة برفقة القطط و الكلاب الضالة ....
2- للحزن
مواويل أخرى
عبد الرحيم العطري
المغرب
مترعا
بالأحزان ، يبعثر الخطو في شوارع مدينة أصابها الاهتراء و
الاختناق ، تتقاذفه اللحظات المجروحة ، تأخذه نحو الغابر فيه
، إنه يهفو إلى التخلص من كل هذا الذي اعتمل في أعماقه منذ
تلك الليلة المشؤومة ، ما زالت الطفلة ياسمين تتراءى له من
نافذة " الواشمة " ، إنه بحاجة لهواء جديد ، بحاجة لعبق
ثقافي يعيده إلى ذلك الزمن الفائت ، قدماه تعتمران جوارب
مثقوبة و حذاء مثقوبا أيضا ، أعياه المسير ، أبواق السيارات
المجنونة تضايق وحدته ، هتاف " المعطلين " الذين قادتهم
شهاداتهم العليا إلى السكن في خيام بلاستكية قبالة البرلمان
، يذكره بزمن مضى ، أطال النظر في خيامهم و معاناتهم ليجد
نفسه مندلقا مع السيول الآدمية التي لا تنضب بالشارع الرئيسي
، فالشارع إياه كعادته ، فرصة رائعة تتحينها الأجساد لممارسة
عشقها الاستعراضي ، الكل هنا مدعو للاصطياد أو الانصياد ،
كراسي المقاهي الكثيرة عافت جلسائها من البصاصين ، ها قد
ترهلت مؤخراتهم عليها و جحظت أعينهم الباحثة عن لا شيء...
شارع
النافورات صار صالحا لكل شيء ...تزجية الوقت ..الريكلام ..
الثقافة .. الدعارة ..القنص.. و اللقيا الغريبة ، جلبة على
جلبة، أصوات باعة ربطات العنق ..الساعات الذهبية .. المدية
السويسرية ...و نقيق الضفادع النتشوية ، لم يقدر صاحبنا على
تحمل كل هدا الهوت ، و لهذا انسل مسرعا نحو الزقاق الذي
سيقوده نحو " نادي الأسرة " ، تستهويه معروضات فنية بالمصلحة
الثقافية الفرنسية و معرض باذخ الثراء بقاعة الشؤون الثقافية
، لا يتعاطف مع صاحبه كما فعل مع العارض السابق القادم من
مدينة المغارات .. قد يكون " الحقد الاجتماعي"..
المنشط أحمد
جواد حاضر باستمرار، يوزع ابتسامة بريئة على الجميع ممن يعرف
و لا يعرف ، هكذا هو رائع و بدوي عذب ، على سور صغير في ملك
" الإيزاداك " على ما يبدو جلست ال "حياة " المحتفى بإبداعها
برفقة امرأة أخرى تنتظران الجمهور ..
إنها هي رقيقة
.. هادئة و جميلة كما ارتسمت صورتها في مخيلته منذ أن كان
يزور زوجها الذي كان يشرف على بحث تخرجه من الجامعة .. أشقاء
من " بوران "و" سوران " تقاطروا على المكان .. تبادلوا
التحايا و حلا لهم الكلام عن التافه و المهم إلى أن دعاهم
جواد إلى قاعة بئيسة تهدلت ستائرها البلا لون ، و لا عجب ما
دامت الثقافة تندرج في آخر اهتمامات السياسي هنا و الآن ..
وراء منصة
بئيسة أيضا تزاحم الخمسة : عبد الرحيم العلام ، عبد الفتاح
الحجمري ، أحمد العاقد و أحمد جواد ، فتزين زحامهم الزهرة
البيضاء حياة جاسم محمد حرم الدكتور زكي الجابر، أصر طالب
الفلسفة على الجلوس في مقعد خلفي حتى يتمكن من قراءة الجمع
من الوراء ، انطلق الحفل بقراءة لعبد الرحيم العلام في نصوص
" للفرح أغنية أخرى " و انطلق النبش في جراح ذات مكلومة
بالغربة و القلق و الفقدان ..
الأمر يتعلق
بنص ماكر و مخادع .. نص مستعص على القبض .. نص لا جنس له على
ما يبدو ، هكذا قال العلام لما أراد التوغل بين دفتيه ، فما
يقرأ في " للفرح أغنية أخرى " لا يحيل في الحقيقة على الجنس
الأدبي الذي سطره الناشر – و ليس المبدعة – على الغلاف ، إنه
نص مستفز يتطلب قراءة خاصة فهو يستثمر تقنيات روائية ، و
يراهن على فضاء حكائي يمتزج فيه البيوغرافي مع الحكائي مما
يؤهله للولوج إلى جنس الرواية من أجمل المداخل .
إن " بوران لن
تكون غير العراق / بابل الجريحة هكذا قال طالب الفلسفة و هو
يصيخ السمع لمقاطع رائعة استشهد بها العلام ، و نهر دال لن
يكون غير دجلة الفرات من غير شك ، إنها نصوص تحكي سيرة امرأة
تستدفئ بإيديولوجيتها و منفاها الاضطراري ، غنها تحكي صورة
الواقع الذي لا يرتفع .. صورة الوطن الشريد ..و هموم رحلة
متعبة مثخنة بجراح الفراق ، كتابة غوائية نقدية .. تفضح ..
تصرخ في وجه الرداءة و الابتذال ..تتميز عن أي كتابة أخرى
..تعزف على أوتار الاغتراب أسطورة سيزيفية جديدة بعد التمرد
الأول حد العذاب ..و حد الانتشاء ..
الحجمري اعترف
هو الآخر بأنها نصوص ذات تخييل ممتد .. تبحر في عوالم
التخييل الإبداعي دونما تخندق في جنس أدبي معين .." إننا في
حضرة كاتبة متميزة تكتب كي تستعيد أزمنة خاصة حتى لا يلفا
النسيان ، إنها تحارب الانقراض بالكتابة " .. مرة أخرى تساءل
الطالب في أعماقه لما هذا الاستغراق في هموم الذات ، و غاص
هو الآخر في تداعيات شفافة تبقر سحايا ذاكرة ملتهبة قادته
قسرا نحو الجراد و موت الحب و الإنسان ..
بعد كل هذا
الذي قيل طلب المنشط أجمد جواد من الدكتورة حياة جاسم أن
تشنف أسماع الحضور بشذرات من إبداعها المحتفى به ، لم يكن
أمامها إلا إجابة دعوة جميلة قرأتها في أعين أحبتها من بوران
و سوران و غوران ....و اختارت " كابوتشينو الصباح " ، و
استرسلت في القراءة السليمة ..روت لنا " حياة " حكايتها
الطويلة / العجيبة مع قهوة الصباح في بلاد العم سام ..ملتقطة
تفاصيل حياة الآخر و مستعرضة مخاوف الذات و اغترابها و
مسترجعة أيضا هموم الوطن و الرحيل ..
حوالي نصف
ساعة من الحكي و الوصف و التخييل برفقة القلق و الوحدة و
الانزلاق نحو مغاليق الأنا و عنف الآخر ، و الحضور يستمع
لحكاية امرأة منقوعة في الألم و الضياع ، لعوالم تتشح بالحزن
و الانجراح و الانتكاس ..
آذان العشاء
يتعالى قادما من المسجد المجاور .. منبهات الحافلات
الأخيرة..عبث بعض مراهقي " الإيزاداك " ..البروفات الأولية
لأوركسترا المسرح الوطني ..و في عقر النادي دردشات جانبية
..و همس صار مسموعا لنساء انزوين في أقصى اليسار و اختلفن
حول قيمة العقد الذي تضعه الزهرة البيضاء التي كانت تواصل
الحكي غير آبهة بما يحدث ..
انفتح بعدئذ
باب النقاش حول الإبداع النسائي و القراءة الذكورية و أسباب
تغييب الحوار و قتل الشخوص و غائية الصوت الأحادي ..تكلمت
ليلى أبو زيد صاحبة " عام الفيل " ،و ناقش عبد الله سفيان و
اتهمت إحداهن قراءة العلام بالتخشب ، رد لها الصاع صاعين و
ربما أكثر متهما إياها باللافهم .. تعالت في الخارج قهقهات
مراهقي " الإيزاداك " و بروفات الأوركسترا التي فوق و منبهات
السيارات المجنونة و الحافلات المهترئة ..لم يبق أمام الحضور
إلا تبادل التحايا و ضرب المواعيد و الانصراف إلى أحوال
السبل ..الساعة جاوزت العاشرة ليلا و الدريهمات الثلاثة سقطت
من طالب الفلسفة لما وضعها في جيبه المثقوب ، لن يستجيب أي
واحد في هذا الوقت المتأخر لشارة " الأوطوسطوب " ، ليس أمامه
إلا السير حتى يبلغ أشقى نقطة في العاصمة هناك حيث يقيم
بعدما منعوه من ارتياد الحي الجامعي بسبب اختياراته الثورية
.. الشارع الرئيسي فارغ إلا من سكارى بؤساء لفظتهم الحانة
الحقيرة ، ياسمين برفقة والدتها مرة أخرى و طالب آخر في مطلق
الأحوال ينتظرون سيارة أجرة ، سيارة الأمن تتربص بهم و
بغيرهم من كائنات الليل ، عراك متواصل بين بائعات الهوى حول
زبون كريم من آل الذهب الأسود .. بائع جرائد الغد .. كلاب
ضالة و قطط حبلى ..تترنح في الزوايا المظلمة ...
" إلى الأمام
سر .. واحد.. اثنان .." ثقب في الجيب و أخر في الجورب النتن
و ثالث في الحذاء ماعزي الجلد و رابع في الرأس و خامس أكبر و
أفظع في القلب ، ثقوب في الوطن و ثقوب في هذا الكوسموس
العظيم ، و السبب هو الوفاء لمبادئ فقدت نضارتها و نجاعتها "
أ هذا هو قدري ؟ أن ألتفح يوميا بسياط هذا الزمن الرديء ، أن
تمتص دمائي في واضحة النهار ، و من غير إثارة للشفقة ؟ إلى
متى ستستمر طواحين الكلام في سحقها لحبات القمح الصغيرة "
حدث نفسه طويلا و هو يطوي المسافات ، تذكر" سباق المسافات
الطويلة " لعبد الرحمن منيف ، و هو ينتقل عبر أزمنة الرباط
المتناقضة ، من الشارع الرئيسي حيث التلميع على أشده إلى
أحزمة الفقر التي تطوق العاصمة ..
يغادر زمن
الفجيعة إلى الشدو و الغناء بصوت مبحوح في سكون ليل يبكي هذا
الزمن الفادح ، و القلب يعتصر ألما على ضياع في زحمة المبادئ
و خذلان الشهادة ، و في اللب شيء مما راج في " نادي الأسرة "
من أسئلة شقية عن الوطن ، " فما الوطن يا حياة ؟ ها ثقوب
الوطن صارت أكثر إيلاما فمن يقدر على حياكتها ؟ على كل للفرح
بل للحزن مواويل أخرى نتجرع مرارتها مع انبلاج كل فجر جديد
يقلص المسافة بيننا و بين موعد انقراضنا " الساعة تشير إلى
الحادية عشرة ليلا و سباق المسافات الطويلة شارف على
الانتهاء ، طالب الفلسفة يريد أن يرتاح من كل هذا الذي اعتمل
في قفصه منذ الصباح ، من المؤكد أنه سيرتمي في فراشه و سيغط
في نوم عميق ، فمحاضرة الغد التي سيلقيها ذاك الأستاذ
المتحذلق لا تحرض على الذهاب إلى الجامعة ، لم يكلم أحدا من
رفاقه الذين انتظروه طويلا ليشاركهم العشاء ، توجه مباشرة
نحو سريره المثقوب و غاص في ثقوبه البلا حدود .
3-
تراجيديا الليل العاري
عبد الرحيم العطري
المغرب
الليل عالم
آخر ينفتح على حيوات من التيه والضياع ، دنيا قزحية تتراقص
في أبهئها نجوم البلادة ، تزأر في أقبيتها خفافيش اللعنة ،
حلكته تفتض أسرار النهار المزيفة ، تشي باقتحام تخوم الأنا
المتشظية " أحسني الآن كائنا ليليا يوقع وثبات الشغب على
ضفاف الأحزان ، أنصت إلى القابع بين ضلوعي ، و قد تعالى من
حولي النباح و الضجيج القادم من محركات السيارات الفارهة
التي تعبر أرقى شوارع أكدال بعد منتصف الليل"
المعطي لم
يحجز الليلة مكانه المفضل بتلك الحانة الحقيرة ، تدشينات
رسمية متوقعة جعلت جميع عمال النظافة يعملون ليلا ، فلا بد
من تلميع شوارع المدينة ليلا ، قادته ظروف العمل هذه الليلة
إلى شارع بن سينا بأرقى أحياء العاصمة ، هناك عليه أن يكنس
الأزبال وحده برفقة عربته الصغيرة التي تحوي كل شيء ، إنها
تحوي أسرار البيوت و الوطن و العالم أجمع ، فمن خلال الأزبال
يستطيع المعطي قراءة الطالع السياسي و الاجتماعي للوطن ،
لكنه هذه الليلة بحاجة إلى مكانه الطبيعي ،يريد أن يعتذر
لياسمين لما بدر منه في ليل عاري أخر ، يريد أن يقول
لوالدتها المعتوهة ، أنها تغتصب طفولة ابنتها بالزج بها إلى
عالم الليل ، إنه يكره العمل ليلا .. هدير السيارات المجنونة
يمنع جفونه المحتقنة غضبا و سخطا من الإذعان لرغبة نوم
تطارده منذ أول أمس ، قريبا من شباب معطلين اختاروا المبيت
في العراء قبالة وزارتهم التي خذلتهم و لم تشغلهم ، افترش "
الكارطون " ينتظر أول خيوط الفجر .. الأرق " ولد الجرام "
يصاحبه كرها ، راغب هو اللحظة في الانتهاء من سخافات النظر
المفجوع ، شباب درسوا و حصلوا على شهادات عليا فكان مصيرهم
هو المبيت في العراء ، لهذا لا ينبغي له أن يظل في هذه
البلاد ، لا بد من " الحريك "نحو بلاد الشرفاء ، نحو البلاد
التي لا ينام فيها المعطلون في خيام بلاستيكية و قبالة
برلمان الأمة... لابد من الهجرة نحو البلاد التي أخبره صديقه
الشاعر محمد بلمو بأن العاطلون بها أسسوا منظمة تدعى "
العطالة السعيدة " يناضلون عبرها من أجل إقرار حق دستوري في
العطالة ، سبحانك ربي آل الشمال يناضلون من أجل العطالة ، و
آل الجنوب ضاقت شوارعهم بالضائعين و المعتصمين و المضربين عن
الطعام و الكلام و الراغبين في الاحتراق و الموت في مقبرة
المتوسط ..
و تستمر
الحياة عفوا يستمر الليل العاري في اندلاقه نحو مرافئ الفقد
و الفجيعة ، فما كان يتوقع المعطي أن يجد صديقه " حمو " الذي
كان مجتهدا للغاية معتصما في العراء ، ما كان يتوقع أن يحيك
و إياه زمن العراء و برد الليل القارس ، قدمه لأصدقائه
المعطلين ، كان عددهم يربو عن الستين ، تزاحموا كلهم على
الأرضية الرخامية لمدخل وزارتهم و تاهوا في عوالمهم المشروخة
بحثا عن حبات فهم لما يحدث لهم في وطنهم ...
الدقائق تحتضر
ببطء شديد و الليل يمعن في عرائه ، كلام المعتصمين يرتفع
بسبب خلافات " صحية " حول تطعيم الملف المطلبي و صيغ التصعيد
النضالي .. الصديق العزيز "حمو " يرفع عقيرته بالصراخ "
أضاعوني و أي فتى أضاعوا " المعطي يتذكر على التو ذكريات
الخشبة و الأدوار و الديكور و التداريب و تلك المسرحية التي
منعوا من عرضها لصاحبها محمد أبو العلا " بعد الحكي تموت
اللقالق " ، فها قد ماتت اللقالق ، و متنا جميعا في زحمة
الحياة ، مات المسرحي في أعماق حمو و رشيد و عبد الكريم و
عبد الله و بشرى و نزهة ، و مات الإنسان فينا جميعا ...
الليل ابن
الكلب يرفض الرحيل ، إنه يعزف سمفونية المفجوعين و المخدوعين
، و ها القلب المكلوم يتألم بعدما هجرته " فاتنته " التي
أعياها الانتظار مع شاب لا يجيد سوى حل الكلمات المسهمة و
اللهاث وراء أرقام " الكوارطي " و التيرسي " ، قالتها عند
ربوة حسان ، هناك حيث حلا لهما حينا من الدهر أن يمارسا الحب
" إلى متى الانتظار ؟ " لم يكن أمامها إلا إعلان النهاية و "
تقرير المصير " بعيدا عن المعطي الذي ترك شهادته العليا في
الفيزياء و انبرى يطهر المدينة من فضلاتها ، بعدما أهداه
رئيس الجماعة "السلم واحد " جزاء له على مشاركته الفاعلة في
الحملة الانتخابية ...
يرفض الليل
العاري الرحيل ، تراجيدياه يؤثتتها حمو و أصدقاؤه ، على
المعطي أن يتفقد أحوال عربته قبل أن يدركه الصباح ، ها زوار
الليل يتحركون ، ليس من أجل اغتيال أرواح التغيير كما حدث
ذات عقد سبعيني ، و لكن من أجل اغتيال بقايا الأطعمة و
المهملات في قمامات الأزبال .. أطر الدولة المعتصمون غطوا في
نوم من المستبعد أن يكون عميقا برفقة هذا البرد القارس ،
يختبئون في " بطانيات " تفوح منها رائحة العرق المالح .. آه
العرق المالح و الموت في المالح و الصمت المالح و كل شيء
مالح ...إنه زمن الملاحات ...لم يدر المعطي كيف تسللت دموع
مالحة من مقلتيه ، اهتاجت و انسكبت عبر تجاعيد وجهه ، تحسس
ملوحتها و لعن اللحظة التي تقود نحو العطالة و المبيت في
العراء ، تساءل عن مدن الملح و مرض الملح الذي اختطف منه أعز
الناس إلى خافقه ..
" واهم من
يعتقد أن الرجال لا يبكون " القمر مترع هو الأخر بأحزانه ،
يتأمله المعطي و يناجيه و هو يدفع عربته نحو المجهول ، وحيد
في الأعالي يتفرج على تراجيديانا العراء " إذا قدر لي أن
أرحل فلن يكون الرحيل إلا من فرط الألم و الضياع " هكذا قال
المعطي مودعا صديقه " حمو " الذي بقي يحرس الشهداء من بني
عطالته ...
الليل عالم
آخر سفر متجدد نحو ملكوت تتهامس فيه الأنواء الملتاثة ،
الليل عالم أثير للمعطي لكن ليس في العراء ، لقد افتقد
ياسمين و الحاج عمر و سعيدة و النادل القزم و باقي الكائنات
الكافكاوية ، إنه لا يوجد إلا هناك حيت النسيان سيد المكان ،
حيث اللذة تعفي من التفكير في الجاري بلا انقطاع ، إنها ليلة
بائسة قادته نحو ما لا يريد الرجوع إليه ، تبا له من ليل
عاري " لن أعمل مرة أخرى ليلا " حسم الموقف و ترك العربة
أمام رئيسه ملأى بأسرار المدينة ، و سار على غير هدى يبغي
النسيان ....
4- كرنفال
المبادئ
عبد الرحيم العطري
المغرب
أفترش أحلامي
الذابلة .. و قد تناثرت الأوراق من حولي ، أجترحها و أمتشق
في دروبها سلالات الورد الغجري لأوزع بحورا من الحزن في
سماوات الهذيان .. أصيخ السمع لحوافر الصهيل الأخير بحثا عن
لذائذ الغربة التي تعريني و تفضحني ..
ليس لي من
مكان في هذا العالم غير هذه الزاوية المظلمة ، ليس لي من
أنيس غير هذه الشمعة و هذه المرارة ، و هذه ال " ياسمين "
التي تنتحر طفولتها في هذا الهنا ، " ابتعدي يا ياسمين ،
اتركيني وحيدا و دعي الفواكه الجافة " ، هكذا أقول لها كل
ليلة ، لكنها لا تمل من الشغب ...
حقا أهاب
الأوراق .. لأنها و بكل بساطة تعريني و تورطني في البوح ،
إنها تأخذني قسرا نحو انكساراتي الدائمة .. لا أدري لماذا
أكاتبك ؟ لماذا أخط إليك هذه الشكاوى الملتهبة ؟ تذكر جيدا
أنني لم أراسلك قط ، نكتفي بتبادل نظرا تائهة " نعبر في صمت
" و نودع بعضنا في صمت إلى أن لف الصمت علاقتنا و إلى الأبد
..ها أنذا أهفو إلى صمتك .. إلى جلستك الغريبة في زاوية
الغرفة ، و على ضوء شمعة باهت تفك طلاسم جريدتك المفضلة .. و
بين الفينة و الأخرة تعدل نظارتك السميكة ..لا تحزن إنها في
" الحفظ و الصون " ، كم كنت تطير فرحا عندما ترى إسمي
بالجريدة ..منك تعلمت أن البحث عن الحقيقة يكون انطلاقا من
الزوايا المظلمة ، ها أناي تستعمر زاوية الحانة منذ رحيلك و
مع ذلك لم أبلغ حقيقة الأشياء...
لا تخف ما زلت
أدمن قراءة الشعر ، ألم تخبرني يوما بأن فاتنك رامبو قال بأن
أول دراسة للإنسان الذي يريد أن يكون شاعرا هي معرفة نفسه
بتمامها ، و ها قد عجزت عن معرفة نفسي .. إذن ليس لي حظ في
دخول مملكة الشعراء .. و عاجز أنا أيضا عن معرفة أي شيء ، ما
أنا إلا فاشل في زمن غريب عني ..لهذا قصدتك كما العادة أطرق
بابك ، أقبل يدك الطاهرة و أرتمي في أحضانك و ربما أبلل
قميصك الأخضر بدموع تخذلني كلما أويت إلى هذه الحانة ، أريد
أن أشكو إليك إحساسي باللامعنى و اللاجدوى من الحضور أو
الغياب ..لكنك لا تجيب .. تلوذ بصمتك من جديد .. تحدثني
بعينيك الغائرتين و قد داهمهما المرض الخبيث، أعرف أنك تتألم
أعرف أن الموت يتربص بك ، يريد أن يختطفك مني ..و رحلت و
تركتني وحيدا أحارب بمبادئ أورثتني إياها لا ينصح بها في هذا
الزمن ، و لهذا أكاتبك اليوم ، و لكن من من سعاة البريد
بمقدوره إيصال الرسالة ، آه لو كان بالإمكان أن نتواصل مع
أحبتنا في العالم الأخر ، لكن لا يهم سأكتب و سأضع قولي في
زجاجة فارغة ألقيها في اليم مثلما يفعل أبطال الشاشات الكبرى
..إذن إلى البدء " العزيز دائما ..." معذرة لا أستطيع مواصلة
الكتابة فالسيدة سعيدة قيدومة الحانة تطلب مني أن أفك لها
خطوط رسالة قادمة من ابنها / صديقي الذي " حرك " العام
الماضي إلى الضفة الأخرى " العزيزة سعيدة لن أستطيع المجيء
هذا الصيف ، منشغل أنا بإتمام مراسيم الزواج من " نصرانية "
ليس لها أي حظ من الجمال و تكبرك بعشرين سنة ، لا يهم ،
المهم أنها الطريق القصير نحو " الأوراق " لا تنتظري مني
نقودا حتى ينتهي شهر العسل أو القطران ، حقا لا أدري ..عزيزك
محمود " رسالة مقتضبة جعلت سعيدة تثور في وجه الجميع ، تلعن
الضفة الأخرى ، تلعن الوطن الذي يهدي أبناءه لمقبرة الأبيض
المتوسط ، النادل القزم يحاول تهدئتها ، تدفعه و تخرج نحو
المجهول ..
" أما أنت أيه
العزيز إليك شكواي التي تذكرني يشكاوى الفلاح الفصيح أول
وثيقة في العدالة و المطالبة بالحق في أرض الكنانة ، هذا ما
أخبرك به المصريون الذين كنت تعمل بمعهدهم بديور الجامع
بالرباط " ها قد تلاشت أحلامي أصابها القرف ، صارت مقزمة
تحلم فقط ببلوغ الخبز اليومي ، فلا تقلق فالزمن الرديء سرقها
مني و شوه محتواها و امتدادها ،و ما باليد حيلة ، ما ذنبي إن
كانت عملتي ممنوعة من الصرف ؟ ما ذنبي إن كان رأسمالي هو تلك
المبادئ الموروثة عنك ؟الكل هنا يدعو إلى الحربائية ، حتى
صديقي المراكشي نصحني بالخروج من الجلد تماما كما تفعل
الثعابين حتى أجد لنفسي موقعا مع " رهوط سيدنا سليمان "
الذين صاروا يحكمون و يتحكمون في كل شيء ...
أداعب اللحظة
نظارتك أيها العزيز، أمسح عنها غبارا طارئا .. و أتذكر ما
قاسيته في وزارتك الظالم أهلها بسبب مبادئك ، و في دواخلي
تتصارع قوى خفية بعضها يدعو إلى الاستحمام في الوحل و الأخرى
إلى استئناف نضالنا الصامت ، فلا تظن بي ظن السوء ، و لا تنس
أنك أخبرتني يوما بأن سارتر الذي التقيته بفرنسا لما كنت
تعمل في السيرك ، قال بأن مهمة الكاتب اليوم هي أن تكون نوعا
من الشهادة الموجزة على موت الإنسان ..فقد مات الإنسان من
غير شك ، من حسن حظك أن رحيلك جاء مبكرا قبل أن تطرق مسامعك
موجة جديدة من المفاهيم المبتذلة " رحلت في الضوء " و رحلت
قبل أن تسمع رحيل ذلك القباني الذي أهديتني كتاب حبه عندما
أخبرك الوشاة بأنني غارق في حب فتاة من الدرب ، لقد رحل نزار
ليقيم فينا ياسمينه كما قال الشاعر الصديق محمد بلمو الذي
هجر الصحافة و اختار المنفى القهري ببلدته الرائعة بني عمار
قريبا من مولاي ادريس زرهون .
هل من السهل
رسم نقطة الانتهاء ، الأمر صعب للغاية و ما يظهر لك بسيطا
فهو الأصعب " هكذا قال غوته ذات مرة ، كيف أمنعني من مناجاتك
في هذا المساء اللذيذ ، ها قد تاه عني كل شيء و غاب عني كل
إحساس بالزمن ، لأفترش مجددا أحلامي الذابلة و قد تناثرت من
حولي الأوراق و الجعة و الفواكه الجافة التي تحبها ياسمين ،
أجترحها و أمتشق في دروبها سلالات الورد الغجري .. لأوزع
بحورا من الهذيان ..أصيخ السمع لحوافر الصهيل الأخير ..بحثا
عن لذائذ الغربة التي تعريني و تفضحني ..
النادل القزم
يصيح بأعلى صوته ، يقول بأن أصحاب الحال اشترطوا عليه الليلة
أن يقفل في تمام الواحدة صباحا ، ثمة مسؤول جديد تم تعيينه ،
و لهذا فهم لم يعرفوا بعد كيف سيدخلونه إلى كرنفال المبادئ "
حتما سيدخل و سيأكل من الكاميلة " هكذا قال النادل القزم و
هو يطردنا جميعا من الحانة ، لا مجال ، انتهى الليل قبل أن
يستكمل طقوس عرائه ، لا مجال ، إنه زمن البؤس و الرداءة ....
5- حبل
الكذب
عبد الرحيم العطري
المغرب
"
فين اللبدة و الما السخون وا سربي راه العصر ودن قبيلة "
الحاج عمر يخاطب إحدى زوجاته الأربعة ، إنه يتهيأ للصلاة كي
يخرج بعدها نحو حانوته القابع بقيسارية الذهب بسلا ، هناك
حيث يمضي الوقت الطويل في لعب الورق و الضامة و ممارسة
التلصص الجنسي ، إنه يستحيل شخصا آخر كلما ولج البيت ،
وداعته و رقته فوق العادة التي ترافقه في محل الذهب لا آثر
لها هنا في هذا البيت العتيق الذي يأوي زوجاته و بناته و
أولاده الذين يزيد عددهم جميعا عن العشرين ، إنه لا يذكر
أسماء الكثيرين منهم ، و لهذا يحرص دوما على مناداة الواحد
أو الواحدة منهم " آجي آ الباندي آ اللفعة " .. سيصلي الحاج
عمر في عمق الباحة ، إنه يقول لهم بأنه ذات المكان الذي صلى
فيه والده قبل أن يقوم بعملية انتحارية في سبيل إخراج
المستعمر ، فذات البيت كان يأوي كل ليلة جماعة من المقاومين
، أمه هي الأخرى كانت مقاومة تحمل السلاح وسط النعناع الذي
كانت تحمله من السواني التي تحيط بسلا ، ذات السواني التي
تحتضر آنا أمام بشاعة الإسمنت التي تسرق من المدينة روعتها و
براءتها .
لكن
لا أمه التي ما زالت تعارك الحياة ، و لا هو نفسه حصل على
بطاقة المقاومة التي قد تعبد له طريق توظيف أبنائه فوق "
طابلة المخزن " ، و بالمقابل فجاره الذي كان عميلا لجيش
الاحتلال يحوز ذات البطاقة ، و يتبجح بها خلال الحملات
الانتخابية التي قادته إلى المجلس البلدي و البرلمان لأكثر
من مرة ، و ربما ستقوده إلى ما هو أكبر في القادم من الأيام
، فهو لم يعد يظهر له أثر في دروب المدينة القديمة ، كل
الأخبار تؤكد أنه استقر بحي راق بضواحي العاصمة ، ها قد تغير
المعاشي و صار من علية القوم بفضل بطاقة غير مستحقة ، أما
الحاج عمر الذي كان يعمل مع والده في تنفيذ الكثير من
العمليات الفدائية ، فحالته لا تبعث على الارتياح ، و حتى
محل الذهب الذي ورثه فما هو إلا واجهة لتقنيع الفقر و
العطالة ،" فالبلاكيور و المشلل " هو ما يوجد به ، و لهذا
بدأت النسوة تهربن منه في اتجاه محلات أخرى للذهب الحقيقي
،ليجعل الحاج عمر من محله ضدا فيهن مقرا للعب الورق و الضامة
و التحرش بمن يقودهن المسير إلى الزقاق الذي يوجد به .
المعاشي عرض عليه مبلغا خياليا من أجل شراء المحل و البيت و
الراديو القديم الذي يتجمع حوله الفدائيون ، إنه يريد أن
يشتري تاريخا ينقصه لشرعنة وجوده و تأكيد استحقاقه لتلك
البطاقة التي يشهرها بمناسبة و بغير مناسبة ، كثيرون من
البشر يلزمه تاريخ معين لبناء حاضر محتمل و صناعة مستقبل آخر
، إنهم يلهثون وراء الخلود لكنهم متأكدون بأن ما يلهثون في
سبيله لا يكون إلا بالماضي و الفائت ، ها قد ملك المعاشي كل
شيء ، لكنه ما زال يفتقر للأهم ، لتلك الذاكرة الرائعة ،
لتلك اللحظات الباذخة التي لم يعشها بالمرة ، إنه يملك
تاريخا مزيفا منقوعا في الهزيمة و الخيانة ، هو كظله يتبعه
أينما حل و ارتحل ، يريد أن يتخلص منه و أن يستبدله بتاريخ
الحاج عمر ، لهذا تقدم ذات مرة إليه خاطبا إحدى بناته ، لكن
الحاج عمر رفض " أنا لا أزوج ابنتي من الخونة ، لن تسطع شمس
ذلك اليوم الذي أضع يدي فيه في يد المعاشي " هكذا حسم الحاج
عمر الأمر " لكن المعاشي اليوم من أعيان البلد و من أغنى
الأغنياء ، لقد صار له شأن في البلاد و بإمكانه أن يخلص جميع
أولادك من البطالة " هكذا قالت الحاجة كبيرة زوجاته ، لكن
من يستطيع تليين رأس خبرت النضال و المقاومة منذ الصغر .
بواسطة " النفحة " الوزانية يستطيع الحاج عمر نهارا نسيان كل
شيء ، إنه يمتلك بواسطتها قدرة على مواصلة المسير في طريق
ملأى بالخذلان و الأنذال ، و بواسطة الجعة و سعيدة قيدومة
عاهرات الحانة و خالد/ربيعة يستطيع ليلا أن ينسى و يغرق في
صناعة الحياة حد الانتشاء ، و لو كانت حياة مزيفة ، المهم
بالنسبة إليه أن ينسى و يحافظ على توازنه النفسي ، إنه يعي
جيدا أنه يكذب على نفسه ، و أنه غارق في الكذب و التناقض ، و
لكن الكذب ذاته هو ما يمنحه جرعة أخرى لمواصلة المسير في ذات
الطريق المتعفنة ، أحيانا يكون جميلا أن نكذب على أنفسنا و
أن نوهم أنفسنا بصدق الكذب حتى نضمن مقعدا وثيرا في الحياة ،
فما جدوى الصدق و الحقيقة إن كان الزيف هو ما يملأ الدنيا ،
إنهم يكذبون علينا في كل لحظة ، في الجرائد و الراديو و
التلفزيون ، في الخطب و الندوات و المحاضرات و الانتخابات و
الإعلانات ، و نحن أيضا نكذب عليهم بالتواطؤ و المسايرة و
المباركة و المصاحبة و الطاعة العمياء ، كذب في كذب و لاشيء
غير الكذب حتى نستطيع مواجهة اليومي و الاستمرار على وجه
الأرض ، فتاريخ الإنسان هو تاريخ الكذب ، وجودنا الأول على
الأرض كذبة باعها إيانا الشيطان الرجيم ، إذن لا سبيل أمام
الحاج عمر إلا وضع البلاكيور و الذهب المشلل في واجهته
الزجاجية حتى يقنع الناس بأن تجارته لا تبور ، و أن يصرخ
عاليا من أجل إحضار " اللبدة و الما السخون " كي يخفي لياليه
الحمراء مع سعيدة و ربيعة / خالد ، و ليس أمام المعاشي أيضا
إلا أن يبحث عن تاريخ آخر يغلف به تاريخه الحقيقي ، و ليس
أمام الساسة اليوم إلا أن يواصلوا الكذب حتى تستمر مؤخراتهم
في الجلوس على الأرائك المصنوعة من ريش النعام ، فالكذب هو
العملة الوحيدة التي تصرف بدون أدنى مشكل في جميع أنحاء
الأرض .
بعد
قليل سيلتحق الحاج عمر بحانته المفضلة بوسط الرباط ، هناك
حيث يشتري لحظات من الزيف و الضحك ، هناك حيث ينسى مشاكل
الأولاد وشجار الزوجات و التجارة البائرة و بطاقة المقاومة و
عروض المعاشي و الوالدة التي هزمها الدياليز و لم تقدم لها
المقاومون أي شيء ، سينسى كل شيء ، و سيغوص في لذة كاذبة ،
سيكذب على نفسه مرات أخرى حتى يستمر، فهذا هو قدره أن يقوي
حبل الكذب حتى لا يسقط في القعر العميق ....
6- صباح
خريفي
عبد
الرحيم العطري
المغرب
عندما بلغت
الرابعة عشرة من العمر ، بدأت تحدث صديقاتها عن فارس أحلامها
البهي ، بدأت ترسم له الملامح ، تلونها في أعماقها المنشرخة
، تجعله تارة أسمر اللون و تارة أخرى أزرق العينين قادما فوق
صهوة جواد أبيض ، لقد بدأت تهتم بنفسها كثيرا هذه الأيام ،
لم تعد ترضى بارتداء الملابس التي تشتريها والدتها من سوق
الغزل و لا تلك التي تحصل عليها من المنازل التي تشتغل بها ،
إنها ترفض أن ترتدي لباسا مستعملا ، تريد أن تكون مثل الزهرة
البيضاء في انتظار فارسها الوسيم الذي سيطير بها إلى عالم من
السعادة و الهناء ، و سيخلصها من كل هذا الذي تغرق فيه مع
أمها من فقر و ضيق ذات يد ، إنها تتبرم اللحظة من اللعب مع
أقرانها في عمق الزقاق ، لقد فرضت عليها التقاليد أن تنتهي
من ذات اللعب حتى لا توصم ب " عزري الدوار " .
الوالدة التي
تمتهن الخياطة توصيها في كل حين بأن تنتبه لتلك " الجلدة "
التي تعني الشرف و الطهارة ،" إنها أعز ما تملك المرأة و
عليها أن تهديها لزوجها فقط " ، في الأحاديث المسائية التي
تطول أمام ضوء شمعة باهت تردد الوالدة نفس الوصية كأنها
تتوجس خيفة من هذا الذي يخفيه القدر لهما ، تواصل المسكينة
حياكة ثياب الجيران و صناعة الرقع ، فالكل هنا يرقع الثياب
أكثر من مرة ، و من الترقيع تكسب قوتها اليومي ، و على طول
خط الترقيع تتواتر الحكايا القديمة عن " هاينة و الغول "و
حديدان الحرامي " و "ذات الهمة " و " سيف دو يزن " .. لكن
سعيدة لم تكن تعير كثيرا من الاهتمام لما تقوله الوالدة ،
إنها غارقة في روايات " عبير " و مجلة " الموعد " التي
تكتريها من محماد بائع الزريعة ، لقد كانت تنسج لنفسها عوالم
جديدة من ذات الروايات و المجلات ، تكتب سيرا أخرى تكون
بطلتها بامتياز برفقة فارسها الوسيم الذي سيأتي قريبا لينهي
مآسيها ، و فعلا فقد آتاها ما كانت تحلم به على طرف النقيض و
بشكل أكثر مأساوية ، أتاها فارس الكوابيس ليسرق منها "
الجلدة " و الشرف و الطهارة و الحياة ...
ذات صباح
خريفي كئيب جاء الخال القادم من المغرب الشقي يبغي ملاقاة
أخته الخياطة التي غادرت البيت قبلا قاصدة سوق الغزل عساها
تجد فيه بعض الأثواب القديمة التي تصلح للترقيع ، فالكل يهفو
على الترقيع ، العالم كله يريد أن يرقع ثقوبه و جراحاته،
كانت الفرصة بالنسبة للخال أكثر من ذهبية ، و هو الخارج للتو
من السجن ، لم تبقه سعيدة عند الباب عملا بنصيحة الوالدة ،
بل رحبت به و قدمت له ما طاب من الطعام ، فرحت به كثيرا ، و
قالت له بكل براءة "خاصك تزطم فوق الفراح باش ما ترجعش للحبس
هاد شي اللي دارت مي فاطنة جارتنا لولدها منين خرج " ، نظر
إليها بخبث ، استشعرت الخطر يبتهج في عينيه الغائرتين ،
أخبرته بأن موعد ذهابها إلى المدرسة قد حان ، تركته يشعل
سيجارة من الدرجة الأخيرة و توجهت نحو أقصى الغرفة لتدهن
شعرها بقليل من الزيت البلدية ...
لما أرادت
البدء في تغيير ملابسها فاجأها الخال بعينيه الغائرتين ،
يقرأ تضاريس جسدها الصغير ، أسرعت في سد أزرار القميص و
القلب يرتجف خوفا و ألما من الخال الذي كثيرا ما لعبت فوق
كتفيه ، اقترب منها محاولا تقبيلها لكنها صدته لأن عيناه لا
تؤكدان بأنها قبلة عائلية بريئة ، ثار الخال و أمسك بها ،
قطع الملابس و هتك العرض ، لم يشفع بكاؤها ولا توسلها عنده ،
بدا كحيوان كريه ، تصبب عرقا و خسة ، و بكى طويلا توسل
إليها ألا تخبر أحدا بالأمر ، وعدها بإصلاح الأمر ، لم تعرف
المسكينة أي طريق ستسلكها بعدما سرق أقرب المقربين منها أعز
ما تملك ، انهارت سعيدة و تاهت عنها سعادة الاسم ، أعطته
وعدا قاطعا بأنها لن تخبر أحدا ، أوهمته بأنها ستذهب إلى
المدرسة فخرجت و لم تعد ، كان ذلك الصباح الخريفي آخر لقاء
لها مع البيت ، و كان أول يوم لها في دنيا الشارع العبثية .
سارت لمسافات
طويلة ، أعياها المسير فجلست عند ضفة النهر الرقراق ، فكرت
طويلا في وضع حد لعلاقتها بهذا العالم غرقا حتى تنتهي من
الألم الذي يربض فوق قلبها ، أجهشت بالبكاء ، علا نحيبها
فأثار انتباه شاب كان يجرب حظه مع الصيد ، اقترب منها ، كفكف
دموعها ، طلب منها مرافقته إلى بيته ضاربا لها موعدا مع
السعادة و الرفاه ، حسبته الفارس الذي كانت تقرأ عنه في
روايات عبير ، الفرح الطفولي يستعمر تقاسيم وجهها من جديد ،
شرعت أمامه ما رقد في القلب من ضنك ، كان محاورا رائعا
أنساها ما فعل بها الخال ، قال لها " أنا بحالك تعدى علي عمي
فالصغر ، و لكن أنا ما زال عايش ، ما شي نهاية العالم إيلا
تعدى عليك ، أنا ما غاديش نتخلا عليك " ، صدقت كل كلمة تفوه
بها و مضت معه تنسج من جديد حلما بهيا سينهار أيضا بمجرد
دخولها بيت الصياد .
كان البيت
الكائن بأحد دروب الملاح بالرباط ممتلئا عن آخره بعاهرات و
سكارى من الدرجة الأخيرة ، ترددت في الدخول ، لكن الصياد
جرها بعنف ليضع حدا لكل تلك البراءة التي كان يعلنها قرب
النهر الرقراق ، دخلت مكرهة و انطلقت رحلة أخرى من الاغتصاب
و التعنيف و الإجبار على الشرب و ممارسة الدعارة ، ليتواصل
الألم مع دخول السجن لأكثر من مرة ، و العمل بأكثر من ماخور
و في أكثر من مدينة و في أكثر من بار.
" أنا
الوحيدة اللي دخلت لجميع البيران ديال المغرب " هكذا تردد
دوما أمام الحاج عمر عندما تحدثه عن أمجادها و بطولاتها في
عالــــم" الزهو ". هكذا كان البدء في عالم الليل ، هكذا
كانت خطوة الألف ميل مع عذابات الذات المجروحة ، و ها الرحلة
الحارقة ما زالت تتواصل بكل التفاصيل الأليمة لتتساءل معها
على الدوام " إن كان ضروريا أن يحدث كل هذا ؟ تتساءل أيضا عن
السبب الذي جعل فارس الأحلام يخلف موعده ؟ عن السبب الذي
يحيل الأفراد وحوشا جبانة تتربص بالأجساد الحالمة ؟ لكنها لا
تجد من جواب غير الغرق في كأس تلو أخرى ، إنها لا تمل من
الشرب ، و لا سبيل أمامها إلا مرارة الكأس لهزم مرارة الأيام
، و لنسيان ألم الخال و ضياع الأم و فارس الأحلام . إنها
تحجز نفس المقعد و في نفس الحانة منذ عشر سنوات ، منذ أن
أصبحت لا تساوي شيئا في سوق الدعارة ، تعيش عزلتها الحارقة و
تحمد الرب كثيرا لأن الحاج عمر و خالد/ربيعة لم يتغيرا و لم
يعرضا عنها كما فعل الكثيرون ، من المؤكد أنهما سيأتيان هذه
الليلة و ستنسى معهما غصة القلب الشريد .
7- من أكون
؟
عبد الرحيم العطري
المغرب
من عمق الزقاق
المؤدي إلى مطرح نفايات المدينة ، كان الشجار يتعالى يوميا ،
بين والد خالد/ربيعة و والدته التي كانت تحمل كل عام في
انتظار ازدياده ، فالنسوة كن يعيرنها بأنها " أم البنات " ،
و الزوج كان يهددها دوما بالطلاق إن لم تلد له من سوف يحمل
الاسم و يضمن استمرار العائلة ، ففي كل مرة تريد فيها تجريب
وصفة من وصفات العطارين و المشعوذين كان الشجار يتعالى و
الكلمات النابية يتم تبادلها بين الوالدين ، و كان الجيران
أيضا يتدخلون لإصلاح ذات البين . استمر الحال على ما هو عليه
زهاء عشر سنوات كان مطلوبا فيها من الزوج أن ينفذ بعد لأي
طقوسا غريبة قبل أن يأوي إلى الفراش ، لكنها لم تكن تدري أن
ذات الزوج لم يكن له أي استعداد لمعاشرتها و هو القادم بعد
يوم ثقيل من مطرح الأزبال هناك حيث يمارس النبش في فضلات
الناس عله يفيد منها شيئا " عليه قيمة " ، فالفقر الذي يكتم
أنفاسه و أحلامه ما ترك له فرصة للالتذاذ بالجنس ، و كومة
البنات السبعة اللواتي يقاسمنه بيت النوم لم يتركن له الرغبة
في الاقتراب من هذه الزوجة المهووسة بالذكر ...
لكن بعد طول
ألم و شجار سوف يأتي خالد / ربيعة و سوف يرتاح الزوج النباش
و جيران الزقاق المؤدي إلى مطرح النفايات و النسوة اللواتي
كن يتشاجرن معها ، سوف يرتاح الجميع من " صداع الرأس " ،
فخالد/ ربيعة ملأ دنيا الأم و جعلها تقدم للكل دليلا قويا
على أنها تلد الذكر و الأنثى ،و هو ما يعني أنها لن تتعرض
للطلاق و لن تعير بعدئذ بأم البنات ،و لهذا كله سوف تسخر
جهودها كلها من أجل تربية هذا القادم الجديد ، فهو الأمل و
الخلاص و لهذا فهو جدير بالاهتمام و الحب المختلف .
فمنذ قدومه
إلى الزقاق المؤدي إلى مطرح النفايات و هو ينام بجانب والدته
و لا يستجيب إلا لكلام والدته ، لا ينأى عنها بأي حال من
الأحوال ، فحتى الحمام الشعبي الخاص بالنساء تدخله إليه
برفقتها بعد أن تلبسه لباس البنات ، هكذا استمر الحال به حتى
حدود سنته الرابعة عشرة ، فلم يكن يفارقها بالمرة ، يحضر
معها خلال الأفراح و الأقراح ، يشاركها جلسات النسوة و
أحاديثهن الباهتة ، ينقل لها أخبارهن و يناقش معها مشاكلهن
الفارغة ، بل لم يكتب له قط أن كان برفقة الذكور من أبناء
الزقاق ، فأمه كانت تحذره دوما منهم " عنداك يديرو ليك
الكلام اللي ما يصلحش " ، و لهذا كان يتحاشاهم و يبقى قريبا
من البنات اللواتي يشاركهن لعبة " شريطة " و الحبل و "
القيوش " و ما إلى ذلك من الألعاب النسوية ، أما الألعاب
الذكورية من قبيل " دينيفري " و الطرومبية " و " البي " فلم
يلعبها قط في حياته ، و هذا ما أكده للحاج عمر و سعيدة
قيدومة عاهرات الحانة .
و مع مرور
الأيام سيكتشف خالد/ ربيعة أن الأنثى فيه مستيقظة أكثر من
الذكر ، و أنه ما كان له أن يكون ذكرا من الناحية
الفيسيولوجية ، فالجميع ينعته ب " المريوة " ، حتى أمه
انقلبت عليه و صارت تكيل له أوسخ الشتائم التي تطعن رجولته
المزورة ، الأب لم يحتمل وجوده بالمرة و لم يكن يوليه أدنى
اهتمام فهو في نظره " ولد مو" ، أخواته السبعة كن يكرهنه ،
فهو الذي سرق منهن أمهن منذ مجيئه إلى الزقاق المؤدي إلى
مطرح النفايات ، انتقاله إلى الثانوية سوف يمنحه فرصة للقاء
شبان مثله قادتهم ظروف الرعاية الزائدة أو الحرمان المفرط
إلى هكذا حالة ، ليغرق معهم / معهن في عوالم اللذة الملعونة
، و ليصير الإسم ربيعة بعد خالد ، فهو الإسم الذي اختاره له
أحد الذين " اصطادوه " من شارع النصر بالرباط .
ففي شارع
النصر انطلقت ربيعة / خالد في موسم العري و الألم ، و في كل
يوم تندلق الحكايات و تنكتب السير مع أناس من مختلف الأجناس
، و يمتلئ القلب الشريد بما جناه عليه شجار زقاق النفايات و
لهاث أمه المستمر وراء الذكر ، و على طول الشارع إياه تنتشر
حكايا شباب مثله اغتيلت رجولتهم على ضفاف الحرمان و الرعاية
الزائدة ، يذرعون الشارع جيئة و ذهابا مع رحيل الشمس في
انتظار زبائن يفضلون الذكر على الأنثى . لكن ربيعة / خالد و
أشباهه من أشباه الرجال لم يعودوا مقتنعين بشارع النصر كمجال
لعرض بضاعتهم الملعونة ، إنهم / إنهن يردن الانتظام في إطار
جمعية معترف بها على غرار ما هو معمول به الضفة الأخرى ، هذا
ما أسر به للحاج عمر و سعيدة القيدومة .
لكن ربيعة /
خالد و بالرغم من سعيه الحثيث لإنشاء ذات الجمعية في مغرب
مفتوح على كل الاحتمالات ، ما زال يطرح السؤال الذي استبد
بذهنه أول مرة أخذته أمه إلى الحمام البلدي ، و ألبسته لباس
البنات " من أكون؟ " فمن يكون ؟ أ هو الذكر أم الأنثى أم هما
معا ؟ ففي كل ليلة و لما ينتهي من عمله / دعارته يطرح نفس
السؤال و يغرق في القلق و الابتئاس و لا يجد بدا من هزم
السؤال غير الغرق مجددا في مرارة الكأس برفقة الحاج عمر و
سعيدة القيدومة .فمن يكون يا ترى ؟؟ذات السؤال يتردد على
نطاق واسع داخل هذه الحانة القذرة ، كلهم يبحثون عن هوياتهم
المفقودة ، كلهم يغرقون في الكأس بحثا عن حبة فهم تهزم عسر
المعنى الذي اجتاح الجميع ، لكن الكأس تأبى منحهم الجواب
المفتقد ، إنها تأخذهم نحو مزيد من التيه و الألم ، لتجعل من
سؤال الهوية سؤال الراهن الملتهب ، و سؤال الغد المجهول .
لا يهم إذن أن
يكون الذكر أو الأنثى ، سؤال الهوية الجنسية ما عاد له معنى
ما منذ تعرف على الحاج عمر و سعيدة القيدومة ، ها قد وجد
سؤاله الهارب بجلستهم التي تخصص كل ليلة لاستظهار آخر ما جد
في عالم النكث الجنسية ، فعبر النكتة يقفز الجميع على
المكبوت و المسكوت عنه و يقوي الكثيرون حبل الكذب و يتناسى
آخرون صباحاتهم الخريفية ، و يصير انتهاء سؤال الهوية بلا
معنى ، و هذا ما يجعل خالد / ربيعة مصرا على البقاء في عالمه
الملعون بعيدا عن الزقاق المؤدي إلى مطرح النفايات ، هناك
حيث كان ضياع الهوية .
8- مسيو
طونيو
عبد
الرحيم العطري
المغرب
" النصراني
سوف يرحل و يترك لي الحانة " هذا ما كان يحلم به النادل
القزم دوما ، و هذا ما كان يلوح به لسميرة التي كانت تمقته "
لقد أخبرني بأن الأمور لا تسر ، و من الأفضل أن يعود إلى
بلده " إنه يذكر سميرة بهذه المعطيات كلما قابلها في سلالم
العمارة ، لكنها لم تكن تعير أي اهتمام لما يقول ، أما هو
فقد كان يحلم باليوم الذي يرحل فيه النصراني و يملك مفاتيح
الحانة و يتزوج من سميرة الفاتنة ، فمتى يرحل هذا النصراني"
الكافر بالله" ؟ أعياه السؤال و الانتظار و تضرع إلى مولاه
أن يرسل على النصراني " شي مصيبة " تجعله يقرر العودة إلى
فرنسا على عجل ، فسميرة أصبحت " عاطية للعين " و من الممكن
أن يخطفها أحد ما منه ، فمؤخرتها صارت مكتنزة و صدرها أصبح
بارزا جدا ، و فوق هذا فقناصو الأجساد ضاقت بهم العمارة و
الحي بأكمله .
عشية
الانتفاضات التي عرفتها البيضاء خلال الثمانينات سيعود
النصراني مذعورا إلى الحانة بعد أن أخذته رحلة عمل و تجارة
إلى البيضاء ، ليخبر النادل القزم بأنه سيعود إلى موطنه
الأصلي " الحانة من الآن في ملكيتك بشرط أن تظل مفتوحة و إلى
الأبد " ، هناك في البيضاء و غيرها من المدن المغربية كان
شهداء كوميرة كما وصفهم بكل خسة وزير الداخلية الأسبق ،
كانوا يموتون و ينكل بهم ، و في الرباط كان النادل القزم
يفيد كثرا من الانتفاضة البضاوية التي أدخلت الرعب إلى قلب
النصراني و جعلته يهاجر على عجل ، فمصائب قوم عند قوم فوائد
...
و ها النادل
القزم صار اليوم مالكا لحانة محترمة تنتصب في عمق الرباط و
قريبا جدا من شارعها الرئيسي ، و ها سميرة اليوم تبادله
التحية و تخطب وده ، و ها جيران العمارة يدعونه لكي يترشح في
الانتخابات البلدية ، حارس العمارة بدوره صار يبادله التحية
و يطلب منه أن يشتغل عنده في الحانة ك " فيدور " بعدما كان
يعيره في السابق بقامته القصيرة ، الكل تغير إذن ، و لم يعد
أحد ينادي عليه ب " القزم " ، أصبح يدعى " مسيو طونيو "منذ
انتقال الحانة في ملكتيه الخاصة ، فقد آثر أن يطلق على نفسه
لقب النصراني صاحب الحانة ، إنه الوفاء لرجل منحه وجودا
جديدا و حقوقا و جديدا و الأهم من ذلك منحه احترام الناس و
نفاقهم و منحه أيضا سميرة التي كانت ترفض قبلا النظر إليه ،
فها هي اليوم تقبل تراب رجليه ، راضية باقتسام بيت الزوجية
مع ثلاث نساء يكبرنها و يصغرنها ، و بالطبع فلا يمكنها أن
تعترض على هكذا وضع ما دامت العمارة التي تأوي أهلها قد صارت
في ملكيته أيضا ، و بإمكانه أن يطرد أهلها لو فكرت في
الاعتراض على ذات الوضع . فمسيو طونيو يملك كل شيء و مع ذلك
يصر على الحفاظ على وظيفته كنادل ، فهو لا يثق في الغير ، و
عليه تجده كل مساء يقدم الطلبات إلى زبناء حانته التي لا
يريد أن يضيف عليها أي تغيير ، فنفس الكراسي و الطاولات التي
اشتراها النصراني نهاية السبعينات ، هي التي تملأ المكان ،
ألهذا إذن يعشق الكثيرون حانته ، إنها لم تخرج بعد من جلدها
كما تفعل ثعابين الوقت ، إنها تحافظ على زيها الأول الذي
اختاره لها النصراني ، ألهذا تجد ياسمين ضالتها بين هذه
الكراسي و ليس برفقة الرسوم المتحركة ؟ أ هو عبق التاريخ
المغتال الذي يجعل الحاج عمر و سعيدة القيدومة و أم ياسمين و
خالد/ ربيعة و الطالب الجامعي و الشباب المنزوي و رجل
النظافة و غيرهم من كائنات الليل العاري ، يفضلون حانة
النصراني عفوا القزم على باقي الحانات التي تنتشر كالفطر
بمركز المدينة ؟
لا أحد يمتلك
الجواب غير النادل القزم ، فهو لا يقدم لزبنائه لا " قطعة "
و لا هم يحزنون و مع ذلك يحجون إليه فرادى و جماعات ، سعيدة
تقسم بأغلظ الأيمان بأن القزم يستعين بفقيه سوسي محنك ، يكتب
له التعاويذ التي تجعل أبواب الرزق مشرعة في وجهه " واش
نسيتو أش كان ، السحور باش خادام " لكن النادل القزم لا يعطي
كبير اهتمام لما تلوكه الألسنة حوله ، فيكفيه فخرا أن ينظف
جيوب الجميع مع منتصف الليل من آخر الدراهم ، و أنه يقبلون
يديه كلما خانتهم جيوبهم ، طالبين منه بإلحاح أن يلبي طلبات
شربهم إلى غاية نهاية الشهر ، و لإنه لا يثق حتى في نفسه ،
فإنه يلبي طلباتهم بعد أخذ شيكات بالمقابل أو أشياء ذات قيمة
قابلة للرهن ، و لهذا فخزانته ملأى بالخواتم و القلادات و
الساعات و الشيكات أيضا . فالحانة هي مؤسسة بنكية أيضا ، و
لهذا يستمر النادل القزم في الوفاء لشرط النصراني الذي
استوجب عليه فتحها و إلى الأبد حتى يحافظ على تاريخه و يخلد
حضوره بالضفة الجنوبية .
مسيو طونيو
القادم من مغارات الصمت و الموت الرخيص صار اليوم مالكا
لرقاب الناس في الحانة و العمارة و الحي بأكمله ، سلطته
امتدت إلى باقي الأحياء المجاورة ، فقد صار من أباطرة
الإسمنت المسلح ، لا يجد أفضل من الاستثمار في البناء ،
عمارة تلو الأخرى ، و شيكات تلو الأخرى ، و سميرة تلو خديجة
تلو فاطمة ، و سيرة نساء لا تنتهي من قاموسه ، إنه يريد
تعويض ما فاته من خسارات خلال فترته القزمية ، أما اليوم و
قد تعملق في الأعالي فلا شيء يحد من طموحاته و نزواته ، فقد
اهتدى مؤخرا إلى زواج المتعة ، يختار ما لذ و طاب له من
الفتيات و يشتريهن لقاء مبلغ معلوم و لزواج محدود ، و بالطبع
فإنه يجد الراضيات بهكذا زواج ما دام الفقر و الألم يرافق
الكثيرات من فتيات الضفة الجنوبية .
النادل القزم
عفوا مسيو طونيو يخاف الموت جيدا ، فهو لحد الآن لم يرزق
بطفل يرث ما اكتنزه من أموال ، كل التحاليل الطبية تثبت أن
لا عجز يعاني منه و مع ذلك لا يستطيع إلى الولد سبيلا ، كل
الزيجات التي جربها و ما زال يجربها لم تقده إلى الولد ، و
لهذا يبدو مهووسا هذه الأيام بنساء الضفة الأخرى ، "
الكاورية النصرانية هي التي سوف يكون معها الولد" هذا ما أسر
به للحاج عمر ، فهو أصبح مسيو طونيو و ولده القادم لن يكون
إلا من رحم نصرانية " كافرة بالله" ، لكن من من بنات الروم
ترضى الزواج به و هو القزم ؟سؤال جارح يعانقه مسيو طونيو كل
مساء بعدما ينتهي من تكديس الأموال و الشيكات و الخواتم و
القلادات و الساعات ...
9- وداعا
عبد
الرحيم العطري
المغرب
من قاعات
الدرس و التحليل إلى ركن قصي في عمارة القزم ، من حلقات
النقاش و خلايا التغيير الجذري إلى " فيدور " يؤدب "
الرعاوين " من سكارى حانة النصراني ، هكذا هي الحياة دائما
تنعطف بالمرء نحو غير المتوقع ، و ترمي به بعيدا في القعر
العميق ، فمن كان يتوقع أن يصير محمود القادم من أقاصي
اليسار مجرد قت وضيع في عالم مسيو طونيو ؟ و من كان يخمن
هكذا نهاية لشاب حالم بالتغيير و مؤمن بأن الشارع الدامي لنا
رغم ما رشوا عليه من جنود كما قال معين بسيسو ؟ و أنهم لا
يستطيعون وقف زحف الربيع ؟ لكن الدنيا حظوظ عمياء و صماء و
ها محمود يوزع يومه الثقيل بين تنظيف العمارة و نقل الأخبار
لصاحبها خصوصا أخبار النساء و مشاريع الزواج ، و يتوج اليوم
بالذهاب إلى الحانة لينضم لجهازها القمعي الذي يختص في تأديب
من لعبت بهم الخمرة و أوحت لهم بالقيام بأفعال لا يحبها مسيو
طونيو ، يصير ليلا كلبا مستعدا للانقضاض بناء على إشارة
مستخدمه . وحدها ماريا لا تريد اللحظة أن تصدق هذا الانقلاب
، و لا تستطيع فهم تحول محمود من ثوري رائع إلى كلب بائس في
مملكة بورجوازي رث و متوحش ، هكذا تحدث صديقتها نعيمة و تقول
لها بأنه من غير المكن أن يكون الانعطاف ب 180 درجة ، فالشاب
الذي تعلمت منه أدبيات اليسار النبيل لا يمكن أن يتحالف مع
قوى الاستغلال و القهر ، هو من عرفها على كتابات مهدي عامل ،
هو من أهداها أشعار درويش و القاسم و منعها من قراءة نزار ،
هو من علمها أن تستمع في سرية تامة لأغاني مارسيل و الشيخ
إمام و أن تقاطع أم كلثوم و عبد الحليم ، هو من أخدها إلى
الخلايا السرية و علمها كيف يكون الحب و كيف ترتق أحلام
الوطن ، هو أيضا من أقنعها بأن الوطن الجميل لا تكتبه إلا
سيرة الدم و النضال ، لهذا قررت الرحيل و هجران وطن لا يكتمل
إلا في الأحلام ، فعلت كما فعل أقرانها من أحفاد طارق بن
زياد ، " حركت " عبر قوارب الموت ، و كان الحظ بجانبها ،
أمضت عشر سنوات في الضفة الأخرى ، راكمت ثروة لا بأس بها ثم
قررت العودة إلى الوطن الذي لا تكتمل صورته إلا في الأحلام ،
كثيرا ما حلمت في ديار الغربة بلقاء محمود ، انقطعت عنها
أخباره ، لم تستلم منه و لا رسالة واحدة طيلة عشر سنوات ،
لكنها لم تقطع دابر الأمل ، توقعت أن يكون في أقبية السجن
بسبب أحلامه ، توقعت أيضا أن يكون قياديا في الحزب ،و هو
الذي قدم الكثير للحزب و في عز سنوات الجمر و الرصاص ، حلمت
بأن ترى صورته يوما على صدر الجرائد ، لكن ذات التوقعات لم
تتحقق .و هكذا لكما عادت ما صدقت ما رأت " محمود مجرد قن في
نمط فيودالي " أو " بروليتاري بائس في عمق مشروع بورجوازي
متوحش " ، أليست هذه دروسه الأولى التي تعلمتها منه و هو
يشرح لها تطور أنماط الإنتاج و علاقات مالكي وسائل الإنتاج و
الإكراه بمن لا يملكون شيئا ؟
لم يستطع
محمود أن يبرر ما هو غارق فيه ، اكتفى بالصمت البهيم ، غاص
في ألمه و تركها تصب عليه جام غضبها ، تريد أن تفهم ما حدث ،
لكنه لا يقول شيئا ، ما زال يصر على الاحتفاظ بأسراره لنفسه
، فتلك الليلة المشؤومة التي أخذه فيها رجال الحال إلى ذلك
المعتقل السري لا يريد أن يبوح بما حدث فيها ، فقد كانت ليلة
الفصل ، بعدها لم تعد تربطه أية علاقة بالتنظيم ، لكن ماريا
من حقها أن تعرف ما حدث ، حتى لا تموت من فرط الألم و
الانصدام ، من حقها أن تعرف سبب انهيار الأحلام و خروج
الإنسان من جلده ، تريد أن تعرف سبب موت الإنسان و اليسار و
الشعر و الحب و الوطن في أعماق محمود ، لكنه لا يريد أن يقول
شيئا ، فحتى المكان الذي ذهبا إليه بعد لأي لم يدفعه إلى
البوح ، فقد رافقها بعد طول إلى عناد إلى" فيطا " قبالة كلية
الآداب بالرباط ، هناك حيث قضيا معا أجمل اللحظات ، و هناك
حيث أحاطها بدفء الأحلام و الأوطان التي لم تولد بعد ، جلسا
قريبا من شجرة كثيرا ما مارسا الحب تحتها ، وجدا أن المكان
صار أكثر وحشة و كآبة ، زاد من وحشته السور العالي الذي
أقامته إدارة السكة الحديدية ، و مع ذلك فذات المكان الموشوم
بأحلى الذكريات لم يدفعه إلى قو أي شيء ، فقط اكتفى بتوديعها
" يجب أن أذهب إلى العمارة الآن ف مسيو طونيو قد يأتي بين
الفينة و الأخرى ...وداعا ماريا " أرادت أن تجيبه بما كان
يقول لها في أدنها ثم يقبلها بعد أن يكونا قد اقتربا من
البيت " لن أقول وداعا ما دمنا سنلتقي " لكنها رمت بتلك
القولة بعيدا في الأعماق ، تأملته جيدا و هو يبعثر الخطو في
اتجاه " البورجوازية المتوحشة " ، تحاول أن تفهم بعضا من
المأساة لكنها لا تستطيع ، تعانق الروايات المتناثرة في الحي
و التي أخبرتها بها نعيمة ، إنها تقول بأنها في تلك الليلة
المشؤومة رأت سيارة رمت محمود في وقت متأخر ، فقد كان حالة
كارثية ، كانت آثار التعذيب بادية على جسده ، بعدها فارق
أصحابه و صادق البحر ، هناك من يقول أيضا بأن " عيشة قنديشة
" جنية البحر قد " ضربته " و ملكته و إلى الأبد ، و هناك من
يقول بأنهم اغتصبوا أمه و أخته أمام عينيه و أجلسوه على
القرعة خلال مدة اعتقاله ، لكلهم قالوا و حلا لهم القول ،
لكن لا أحد يعرف سر التحول ، لا أحد يعي جيدا ما حدث لمحمود
، كلهم تكيفوا مع الوضع الجديد ، بل منهم كثيرون باركوا هذا
التحول و قالوا بأنه " رجع لعقله " ، إلا ماريا المسكينة
ترفض تصديق ما حدث ، إنها تحزم حقائبها مجددا في اتجاه الضفة
الأخرى بحثا عن وطن لا تغتال فيه الأحلام و لا يمسخ فيه
الرجال ، بحثا عن الأشعار و الأغاني و الأحلام التي داعبتها
طويلا ، أما محمود الذي ودع اليسار فقد استقر به المطاف في
عمق اليمين ، إنه يستعد اللحظة للذهاب إلى الحانة بعد يوم
ثقيل من متاعب سكان العمارة ، ليمارس دوره القمعي في حق
سكارى آخر الليل ، ليحرس حانة مسيو طونيو و يصير أداة طيعة
من أدوات القمع في يد مالك الإنتاج و الإكراه ، لقد ودع منذ
تلك الليلة كل أدبيات اليسار النبيل و غاص حتى الثمالة في
أدبيات الاستغلال و البؤس و القحط الفكري ، و ها هو اليوم
يرسم قطيعته مع ماصيه و يقول لماريا "وداعا" بكل برودة و خسة
دون أن يلفظ ما يرقد في الأعماق من أسباب و مبررات التحول ،
فمن ثوري حالم إلى قن قامع ، مسار من الألم و الحلم لا تجد
ماريا و لا غيرها من الناس تفسيرا له ، فقط محمود من يعرف
السبب و يصر على الاحتفاظ بالسبب لنفسه فقط .
10- لا
تسألوا
عبد الرحيم العطري
المغرب
قلبها يكاد
ينط من مكانه كلما رأته ، هو الآخر لا يعرف كيف يكبح جماح
هذا الحب المستحيل ، فهو يعرف جيدا أنهما لن يلتقيا تحت سقف
واحد ، فهو ينتمي إلى حثالة المجتمع ، و لا يمكن لوالدها أن
يقبل بهكذا زواج ،و هو الذي تصنفه السلطة ضمن أعيان المدينة
و تستدعيه لحضور مراسيم استقبال كبار الضيوف و المسؤولين ،
لكنها تقول له قي كل حين بأنها لن تتخلى عنه و أنها لا يهمه
ما يريد إخوتها و والدها الذين يعتبرون جميعا بأن الزواج هو
صفقة تجارية تتطلب اختيارا و ربما اقتناصا جيدا للأصهار ،
فما الذي سيجنونه من المحجوب و هو المنقوع حتى الرأس في
الفقر و الفاقة ، لكن سعاد تصر على الاحتفاظ بحبها هذا و لو
كره الكارهون ، و لهذا ستهرب معه بعيدا نحو أقاصي الجنوب ،
ستتزوج منه ضدا في إرادة الوالد و الأهل ، و ستعود إليهم بعد
طول غياب لتضعهم أمام الأمر الواقع ، لكنهم يرفضون هذا
الزواج ، يرفضون زوجا لا رأسمال له إلا أخلاقه و حبه لبنتهم
، إنهم لا يريدون حبا و أخلاقا ، يريدون الانصهار في عائلة
كبرى تمنحهم " بريستيجا " جديدا و صفقات تجارية أخرى ، أما
الحب فليغتني به الفقراء و آخر الفضلاء في هذا الزمن المقيت
. اضطر المحجوب و سعاد أن يستقرا قريبا من العائلة بأحد
أحياء سلا ، أرادا أن يعيدا المياه إلا مجاريها الطبيعية ،
حلما معا بكسب رضا العائلة ، لكن ذات الرضا صار مستحيلا ،
فالزواج بالنسبة للأب هو أكبر من تفاهات الحب ، إنه ارتباط
مصالحي بين عائلتين يملكان حظوظا متقاربة من السلط و
التدخلات ، و لهذا فهو لن يبارك هذا الزواج ، بل سيسعى إلى
نسفه بمعية زوجته و أولاده ، و هو ما حدث فعلا ، فلم يستطع
المسكينان مجابهة مختلف الحروب التي شنها ضدهم الكبار ، و
هكذا ألفيا نفسيهما ذات يوم يستكملان إجراءات الطلاق ...
المحجوب لم
يطق المكوث في نفس المدينة ، و لهذا فقد تطوع في الجندية و
غاب إلى أقصى الجنوب المغربي ليشارك في حرب الصحراء ، هناك
وجد ضالته ، مستبدلا حب المرأة بحب الوطن ، هناك تمكن من
نسيان الألم و الانطلاق من جديد على درب الحياة ، تزوج من
إحدى رفيقات السلاح ، أنجبت له بنتين أصر على تسمية واحدة
منها على اسم حبه الأول و الأخير. أما سعاد فقد دارت بها
الأيام و انعطفت بها نحو أحلك النهايات ، لم تستطع قبول
الوضع الجديد ، أرادت أن تنتقم لنفسها من عائلة لا تهمها إلا
المظاهر و الصفقات التجارية ، أرادت أن تمرغ كرامة العائلة
في الوحل ، حتى تقتص لنفسها ممن حطموا حياتها و حرموها من
المحجوب ، صارت تمارس العمل الجنسي ، هكذا تسميه دوما ، فقد
سمعت ذات يوم الأستاذ عبد الصمد الديالمي أستذ علم الاجتماع
يصرح للإذاعة بأن الدعارة هي عمل جنسي ، و منذ ذلك الحين و
هي تعمل جنسيا و تمرغ كرامة الإخوة في الوحل إلى أن وصل
الخبر إلى الوالد الذي منعها من الخروج إلى أن استقدم لها
عريسا على المقاس ، كان الزواج بالإكراه و لا حق لها في رفض
ذلك ، فالكلمة الأولى و الأخيرة لسيد البيت ، كان الزوج من
نشطاء الإسلام الوهابي بالمغرب ، و لهذا فقد كان يغيب من حين
لآخر ، كان يخرج لأيام و ربما لشهور من أجل نشر الدعوة ،
لكنه ذات مرة سيغيب طويلا ، سينتفض السؤال الحارق في رأسها ،
ستهب لتفقد أحواله بمسقط رأسه هناك بضواحي الخميسات ، لكن لا
خبر ،" أين يكون قد ذهب ؟ هل فر مني ، الرجال يهربون مني "
بعد طول بحث سيتأكد بأن الفقيه قد مات في حادثة سير ، بعد أن
ترك لها بنتا و ولدا أصرت هي الأخرى على تسميته بالمحجوب.
بقيت وحيدة
برفقة الولد و البنت ، عائلتها الأرستقراطية لا تعودها
بالمرة ، إخوتها المتعجرفون لا يقدمون لها أية مساعدة ، فمن
أين لها بالمال الذي يكفي لإطعام الأفواه الجائعة ، من أين
لها بمصاريف الكراء و الماء و الكهرباء و البقال ؟ ستجد
نفسها مجبرة مرة أخرى على العودة إلى العمل الجنسي " ماذا
أفعل إن كان الرجال يعشقونني " ، مؤخرتها المكتنزة تغري و
تدفع جلساء المقاهي و غيرهم إلى ملاحقتها بالنظرات و
التعليقات ، نظراتهم تلاحقها أينما حلت و ارتحلت ، و لا
يمكنها أيضا أن تمنع نفسها من لحظات لذة هاربة تمنحها المال
و الأمان ، و لهذا ستجد نفسها مرات عديدة في أحضان رجال
بائسين و تافهين و مهمين إلى أن جاءها الحسين الذي التقته
ذات مرة في بار النصراني ، هناك حيث يحلو لها السهر أحيانا
مع الحاج عمر و خالد / ربيعة و سعيدة قيدومة عاهرات الحانة ،
فقد دأبت منذ خروجها الأول أن تحل بهذه الحانة كلما ألم بها
الضجر و صارت بضاعتها الجنسية غير مرغوب فيها ، مع الحسين
ستشرب نخب الهزيمة مجددا ، فقد أوهمها في لحظة سكر بأنه سوف
يعتني بالطفلين معا، وعدها بأن يضعهما في بؤبؤ عينيه ، لكنه
أخلف وعده ككل الرجال ، و صار لا يرى فيها إلا كومة من اللحم
تصلح لتلبية نزواته الشاذة ، لقد انكتب عليها أن ترافق الألم
و الفجيعة منذ انفرض عليها أن تهجر المحجوب ، و ليس في
مقدورها اليوم إلا أن تسرق الزمن و تأتي من حين لأخر لزيارة
كائنات الليل بحانة النصراني ، علها تنسى بعضا من ضياعها ، و
بين الفينة و الأخرى لا تمنع نفسها من قضاء عمل جنسي
للالتذاذ أو من فرط الحاجة و الفاقة .
إنها اليوم في
عداد المتزوجين ، لكنها وحدها تعلم أن زواجها صار مستحيلا
بعد المحجوب ، إنها تهدي نفسها للرجال من أجل طفليها ، لقد
فاتها قطار الزمن السريع ، تركها برفقة حب لم يكتمل و زواج
لم تفرح به كثيرا ، و لهذا تصر على تمريغ كرامة الأسرة في
الوحل ، لتنتقم للمحجوب الذي أحبها بكل امتلاء ، " دير ليا
الكاسيطة ديال وا كاينا ظروف " ، هكذا تخاطب مسيو طونيو كلما
أفرطت في الشرب ، لتندلق على خديها دموع مالحة ، تنسكب فوق
صور رثة تحمل ذكرى الحب المنتحر بالأمس البعيد ،" فعلا لا
تسألوا الناس و إنما أسألوا الظروف " يردد طالب الفلسفة أيضا
كلما راجت الخمرة في رأسه ، هذا ما قرأه في رواية" بئر
الحرمان" لإحسان عبد القدوس ، طبعا هي الظروف الماحقة التي
تدفع المرء إلى حانة النصراني و إلى العمل الجنسي ، و إلى ما
هو أفظع في وطن فقد عذوبته و تاه بعيدا في الظلام، بعد قليل
سيأتي الحسن ليحملها إلى البيت ، فهو لا يهمه إلا أن تكون
حافظتها النقدية دافئة جدا ، و من حسن الحظ أنها اليوم قد
تمكنت من كسب مال وفير سيجعل زوجها النذل ينخرس لأيام عديدة
، فلا تسألوا الناس و إنما اسألوا الظروف .
11- الأكتع
عبد الرحيم العطري
المغرب
عندما يرخي
الليل ستارته معلنا ميلاد عالم جديد من الظلام و النور
المزيف ، تجده قد حجز مقعدا في أقصى الحانة ، ليعاقر خمرته
وحيدا وسط ضجيج كائنات مسيو طونيو ، لا يعير أي اهتمام
لنداءات خالد / ربيعة و لا سعيدة و لا ياسمين الصغيرة ، فقط
ينزوي في العمق و يستغرق في تأمل حياته البلا معنى ، وحده
مسيو طونيو الذي يعرف حكايته ، كلهم يعتقدون أنه أصم و أبكم
، يشفقون على حاله و يبدلون قصارى الجهود من أجل إخراجه من
غمته ، يعتقدون أن يده راحت في حادثة شغل مروعة ، و يستمرون
في التضامن المجاني معه " مسكين مشات ليه يدو و ما عطاوش
التعويض " تقسم أم ياسمين بأغلظ الأيمان بأنها حقيقة الرجل
الذي يعشق الزاوية المظلمة في الحانة ، " المونشو مسكين ما
تايهدر ما تايتكلم ظاهرا غارق في مشكل خطير بغيت نساعدو و ما
عرفتش " يضيف الحاج عمر كما يضيف باقي جلساء الحانة ، كلهم
يضيفون و يضعون السكر تارة و الملح تارة أخرى فوق جراح لا
تندمل . لكن الأكتع لا يهتم لما يدور حوله من أحاديث باهثة و
لا يصر على التقاط إشارات التضامن الشعبي معه ، إنه في عالمه
الخاص ، برفقة ذكرياته و بطولاته الوهمية ، وحده مسيو طونيو
يعرف حقيقة الأكتع ، و لهذا فهو لا يتهاون معه في الحساب ،
بل يكيل أوسخ عبارات القذف و التجريح كلما تلكأ في دفع ثمن
ما يشرب " داك الزمن ديالكم راه سالا " ، لكن الجميع يتساءل
عن الزمن الذي يشير إليه هذا القزم الحقير ، هذا الذميم
الجلف الذي يعبد المال و لا يهتم لإعاقة الرجل ، لكنهم لا
يعرفون حقيقة الرجل ، و من حسن حظه أو حظهم جميعا أنهم لا
يعرفون ، "للجهل فوائد كثيرة ، في زمن فاض بالحقائق و
الأكاذيب" طالب الفلسفة دوما يردد هذه القولة في وجه أم
ياسمين التي تصر بأنها لن يهدأ لها بال ما لم تعرف حقيقة رجل
الظلام المونشو الأبكم الأصم ، لكن من أين لها بالحقيقة و
الأكتع يدمن الصمت البارد.
وحده مسيو
طونيو صاحب الحانة يعرف أن الأكتع كان يعمل في أسلاك الشرطة
و هو الآتي إليها من قرية غارقة في البؤس ، لم ينل حظا يسيرا
من التعليم ، اكتفى مجبرا بشهادة نهاية الدروس الإعدادية ، و
أجبر والديه الفقيرين على بيع قطعة أرض صغيرة سلمت لهم خلال
فترة الإصلاح الزراعي ، أجبرهم على بيعها و قادهما نحو هامش
الرباط ، ليستقروا جميعا في الهامش الملعون ، بعض من مال
الأرض أرغمهم مجددا على دفعه لرجل من رجال الحال يتاجر في
مناصب الشغل ، ليصير في النهاية شرطيا ، فرح الوالدان
بانتصار الابن ، و كيف لا يفرحان و قد أصبح لهما ولد بار
يعمل فوق طابلة المخزن و يحمل السلاح و " النيميرو خمسة " و
بمقدوره أن يسجن أي كان و يوقف أي سيارة ، غاصا في الفرح
اللذيذ ، لكنهما سرعان ما غاصا في الحزن الفادح لما أخبرهما
الابن البار الذي باعا الأرض من أجله بأن منصبه يمنعه من
الاستمرار في السكن معهم وسط القذارة و الضيق ، ظنا في
البداية أنه يقترح عليهما تغيير السكن إلى مكان آخر أكثر
جمالا و سعة ، بعدما راج الفلس في جيبه ، لكنه كان أكثر خبثا
و خسه حينما قال بكل برودة " اكتريت منزلا بأكدال و سأزوركم
من حين لأخر " لكنه لم يزرهم منذ اللحظة التي خرج فيها ، و
لا أرسل إليهم فلسا واحدا ، نسي أن ما هو فيه بسبب الألم
الذي ابتاعه الوالدان ، فقد كانا يعيشان على الكفاف و على ما
تجود به الأرض الطيبة في القرية الطيب أهلها ، ما كانا
يعرفان " الكريدي " و فواتير الماء و الكهرباء و ضرائب
التطهير ، كانا يعيشان على الطبيعة و من الطبيعة ، و بسببه
غرقا في الجحيم ، و في النهاية هجرهما و تركهما في الهامش ،
أخباره تصل إليهما ، إنه لا يبرح الحانات ، إنه يعنف الناس
في الكوميسارية ، إنه لا يعرف الرحمة ، من المستبعد أن يكون
هذا الابن قد خرج من رحم هذه الأم الطيبة ، استشاط الوالد
غضبا من جراء ما سمع من عجائب الولد و رفع الكف إلى السماء ،
حملق عميقا في النجوم ، سقطت من مقلته دمعة مالحة دون أن
يدري و أقسم بأغلظ الأيمان بأن الولد لن يربح بالمرة " راني
ساخط عليك ، وا خليتك كي الكف عمرك ما ينوض فيه الزغب " طلبت
منه الأم الطيبة أن يستبدل هذه الدعوة الفادحة بأخريات كان
يقولها له في زمن مضى ، لكنه لاذ بصمت بهيم وعن معه أن في
الأمر أشياء ما ، فعلا هناك أشياء مؤلمة جدا تجرعها الوالد
الطيب من الولد البار جدا " من اليوم ما تجي عندي للخدمة ،
ما عندي ما نعطيكم " هذا ما تجرعه الوالد الطيب من ولده ، و
هو الذي لم يكن بالمرة يريد منه شيئا ، لقد احن إليه ، و
أراد رؤيته فقط ، لكنه تجرع منه المرارة و عاد من حيث أتى
يجر خيبة الجيوش النبيلة .
هذا هو الأكتع
رجل غارق في الحقارة تنكر لأهله و استحال إلى آلة قمعية لا
ترحم ، يوظفه رؤساؤه شر توظيف ، يدفعونه إلى تعنيف المعتقلين
ليسحب منهم اعترافات على المقاس ، يجلسهم على القرعة و يضع
لهم الشيفون النتن في أفواههم و يعلقهم في الطيارة ، و هو في
غاية السعادة ، ينتقم لنفسه من هؤلاء الأبرياء ، ينتقم
لطفولته المغتصبة ، و لمستواه الدراسي الهجين من أناس عشقوا
الوطن ، و من أناس غاصوا بعيدا في العلم و الوعي الشقي ، لكن
دوام الحال من المحال ، فسرعان ما سيتم التخلي عن خدماته
القمعية و يلفظ إلى الشارع العام ليقوم بدور شرطي مرور لا
أقل و لا أكثر ، يعمل لأزيد من 16 ساعة في اليوم ، تحت لهيب
الشمس و صقيع الشتاء ، يتصلب في مكانه كلما مر موكب رسمي ،
فضرورات تلميع الصورة على المستوى الخارجي جعلتهم يستغنون عن
خدماته ، لم تجده نفعا كل التوسلات و التدخلات التي قام بها
لصالح نفسه كي يستعيد موقعه التعذيبي ، ليقرر الانخراط من
جديد في تعذيب الناس على الطرقات ، ما من سيارة تمر و تدل من
خلال شكلها على أنها لقادمين من الهامش ، إلا و يستوقفها و
يعنف صاحبها ، و يسجل لها المخالفات إن امتنع عن تقديم إتاوة
الطريق ، لا يولي كبير اهتمام لتوسلات الناس ، فقط يصيخ
السمع جيدا لدراهمهم الرنانة ، يدون المخالفة تلو الأخرى ن و
لا يريد أن ما يدونه في حق هؤلاء القادمين من الهامش من
أمثاله لا يزيد إلا في حجم مآسيهم التي لا تنتهي ، يثقل
كاهلهم بمبالغ ثقيلة يؤدونها كرها في المحاكم ، إن لم
يختصروا المسافة و يفهموا المثل الدراج " دهن السير يسير " و
يدسوا بين أوراق سياراتهم ورقة نقدية محترمة " هو التطاحن
الاجتماعي الذي يجمع آل الطبقات الدنيا " هذا ما أخبره به
أحد الذين حجز أوراق سيارته و لم يعر كبير اهتمام لوظيفته و
لا استجداءاته .
ظل الأكتع على
هذا الحال لمدة تزيد عم الثلاث سنوات ، إلى اكتشف نفسه ذات
يوم ممدا على سرير المستشفى و بدون يده اليمنى التي كثيرا ما
سجل بواسطتها المخالفات الوهمية و عنف بها المعتقلين
الاحتياطيين ، ذات اليد التي لا ينبت في كفها الشعر كما قال
الوالد الطيب تم بترها نتيجة خطأ طبي ، فلما استقدمته سيارة
الإسعاف أحيل مباشرة على غرفة العمليات التي كانت تنتظر شخصا
بمواصفاته انتشر الداء الخبيث بيده اليمنى ، كان الشرطي
يعاني فقط من جرح غائر على مستوى اليد نتيجة شجار مع احد
الملتفحين بنار الهامش ، و الذي رفض أن يعطيه أوراق السيارة
و امتنع أيضا عن تقديم إتاوة الطريق ، و بعد أخذ و رد وجه له
ضربة محكمة بسكين حادة على مستوى اليد ، حمل على التو إلى
المستشفى ، و بترت اليد خطأ في زمن الأخطاء ، و في ظرف
أسبوع صار أكتعا يحمل يدا اصطناعية ، و بجرة قلم بعدئذ صار
عاطلا عن العمل يجر الدروب و الحانات جيئة و ذهابا ، لم
يستفد من تعويض حادثة الشغل ، لأنه كان يعمل خارج أوقات عمله
الرسمية ، و لأن لا أحد شهد بأنه تعرض لاعتداء السائق ، ها
تضامن كل الهامشيون مع السائق الهامشي و قالوا بأن الشرطي هو
من أقدم على جرح نفسه بيده " أخيرا التأم الهامشيون و انتهوا
من تطاحنهم الاجتماعي " يردد السائق الأخر الذي لم يسلم من
ظلم الأكتع .
توالت الأيام
و توارت إلى غير رجعة ، و لم ينبت الزغب على مستوى الكف ،
عاد الوالد الطيب بعدما رحلت عنه الزوجة الطيبة ، عاد إلى
القرية الطيبة ، و بقي الأكتع صامتا في عمق البؤس و الضياع ،
يوزع نهاره الفادح على هوامش المدن من أجل اختبار آلته
القمعية المفلسة ، ليعود مساء نحو حانة النصراني يقتل فيها
ما تبقى له من زمن مر ، وحده مسيو طونيو يعرف حقيقة الأكتع و
للجهل فوائد كثيرة في زمن فاض بالحقائق و الأكاذيب .
12- خروج
عبد
الرحيم العطري
المغرب
كانت أحلامه
بحجم السماء ، تهفو إلى اقتحام المستحيل و صنع الأجمل في
أحلك متاهات الوقت المغربي ، كان يعدها في كل حين بأنه سيطرق
الباب حاملا معه خاتم الخطوبة حالما يظفر بالشهادة و ينخرط
في أسلاك الوظيفة ، انفضت الأربع سنوات و اصطدم الحلم بواقع
عنيد .. غدرت به و بها الشهادة ، فألفيا نسيهما بعيدين جدا
عن تحقيق ما رسما من أحلام و ما خططا معا من مشاريع في
الحدائق و الشواطئ و الغابات التي كانا يطلقان عليها و هما
يضحكان من فقرهما " برتوش مرفق عام " . الشيب يستعمر خصلات
الشعر كرها و في غير موعده الطبيعي ، التجاعيد تكتسح اليد
الرقيقة فقط لأنها لا تعرف إلى المراهم طريقا ، ألسنة
الجيران الطويلة لا تستريح من تلويك سيرة هذا الزواج الموقوف
التنفيذ ، لم تستطع المسكينة التي احترقت معه بجمر الأيام أن
تستمر في انتظار الذي يأتي أو لا يأتي ، إنها تخاف العنوسة و
البوار ، و لهذا فقد قالتها له في عز الألم " وداعا يا شقيق
القلب " كنية اتفقا عليها ذات زمن بعيد ، حينما كان يوزعان
بحورا من الحب و لو في جدوة الانهيار و الفجيعة ، ما كانا
يعبئان لما يجيش الزمن ، كانا غارقين حتى الثمالة في حب غير
عاد بالمرة ، لكنها قالتها بكل امتلاء ، تركته بعدما عجز عن
تحقيق الأحلام ، بعدما خانته شهادته و لم يحجز مكانا فضيلا
فوق " طابلة المخزن " ، خرجت شقيقة القلب من جلده لتبحث عن
رزقها في الشارع العام.
" راكي تجيبي
مزيان مع صحاب الدولار ، آش بغيتي بذاك البيطالي " هذا ما
كانت تقول لها في كل حين بنت الكواي التي استقر بها المطاف
بشارع فال ولد عمير بعدما أنهت دراستها الجامعية بنجاح فائق
، كلما صادفتها في الطريق إلا و أعادت عليها نفس العرض ، إلى
لبت النداء و رافقتها إلى الشارع إياها بعدما حرصا معا على
لبس ما يخنق اللحم و ما يعجز عن ستر البطن و النهدين و ربما
أكثر ، كان الموعد محددا سلفا مع وسيط يختص في نقل الأجساد
نحو أرقى أحياء الرباط ، هناك حيث يحيي بعض آل البترو دولار
ليال حمراء ، كان البدء من بير قاسم بالضبط ، و كانت عروس
الليلة الحمراء ، فالسيد القادم من عمق الخليج يفرح كثيرا
بافتضاض البكارة بأصبعه فقط ، لم يكن أمامها إلا أن توافق ،
ما دام السيد سيدفع أحسن و أكثر و بالعملة الصعبة ، استلمت
الثمن و خرجت من جلدها تماما كما خرج شقيق القلب أيضا من
جلده ، هو الآخر استقر به المطاف بالشارع إياه ، فعضلاته
المفتولة و وسامة وجهه جعلته مقبولا في سوق الليل العاري ،
بنت الكواي هي من أخذته إلى شارع فال ولد عمير ، أوهمته في
البداية بأنه سيعمل كحارس أمن بإحدى المحلات التجارية الكبرى
، لكنه مع مرور الوقت وجد نفسه يلعب دور الوساطة الجنسية ،
يستجمع هواتف بنات الليل و يرسلهن في مهمات خاصة إلى زبائن
مخمليين ينامون في العسل " خيي عندك جديد و لا غير القديم "
سؤال ينطرح عليه يوميا من قبل آل البترو دولار ، فيهرع إلى
|